الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
206
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الآية ، لإفادة أنّ اللّه يجازي على كلّ عمل بما يناسبه من حسن أو سوء . والمقيت الحافظ ، والرقيب ، والشاهد ، والمقتدر . وأصله عند أبي عبيدة الحافظ . وهو اسم فاعل من أقات إذا أعطى القوت ، فوزنه مفعل وعينه واو . واستعمل مجازا في معاني الحفظ والشهادة بعلاقة اللزوم ، لأنّ من يقيت أحدا فقد حفظه من الخصاصة أو من الهلاك ، وهو هنا مستعمل في معنى الاطلاع ، أو مضمّن معناه ، كما ينبئ عنه تعديته بحرف ( على ) . ومن أسماء اللّه تعالى المقيت ، وفسّره الغزالي بموصل الأقوات . فيؤول إلى معنى الرازق ، إلّا أنّه أخصّ ، وبمعنى المستولي على الشيء القادر عليه ، وعليه يدلّ قوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً فيكون راجعا إلى القدرة والعلم . [ 86 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 86 ] وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ( 86 ) عطف على جملة مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً [ النساء : 85 ] باعتبار ما قصد من الجملة المعطوفة عليها ، وهو الترغيب في الشفاعة الحسنة والتحذير من الشفاعة السيّئة ، وذلك يتضمّن الترغيب في قبول الشفاعة الحسنة وردّ الشفاعة السيّئة . وإذ قد كان من شأن الشفيع أن يدخل على المستشفع إليه بالسلام استئناسا له لقبول الشفاعة ، فالمناسبة في هذا العطف هي أنّ الشفاعة تقتضي حضور الشفيع عند المشفوع إليه ، وأنّ صفة تلقّي المشفوع إليه للشفيع تؤذن بمقدار استعداده لقبول الشفاعة ، وأنّ أول بوادر اللقاء هو السلام وردّه ، فعلّم اللّه المسلمين أدب القبول واللقاء في الشفاعة وغيرها - وقد كان للشفاعات عندهم شأن عظيم . وفي الحديث : مرّ رجل فقال رسول اللّه : ما ذا تقولون فيه ؟ قالوا : هذا جدير إن شفع أن يشفّع . . . الحديث - حتى إذا قبل المستشفع إليه الشفاعة كان قد طيّب خاطر الشفيع ، وإذا لم يقبل كان في حسن التحية مرضاة له على الجملة . وهذا دأب القرآن في انتهاز فرص الإرشاد والتأديب . وبهذا البيان تنجلي عنك الحيرة التي عرضت في توجيه انتظام هذه الآية مع سابقتها ، وتستغني عن الالتجاء إلى المناسبات الضعيفة التي صاروا إليها . وقد دلّ قوله : فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها على الأمر بردّ السلام ، ووجوب الردّ لأنّ أصل صيغة الأمر أن يكون للوجوب على مقتضى مذهب الجمهور في محمل صيغة الأمر ،